فخر الدين الرازي
165
القضاء والقدر
الحجة الخامسة عشر : الإيمان حسنة ، وكل حسنة فمن اللّه ، ينتج : أن الإيمان من اللّه . بيان المقدمة الأولى : إن الحسنة هي الفعل الخالي عن جميع جهات القبح ، والإيمان كذلك . فكان حسنة . ولأنهم اتفقوا على أن قوله : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا : مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ « 1 » المراد به : كلمة الشهادة وقيل في قوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ « 2 » إن ذلك هو قول : لا إله إلا اللّه . فثبت : أن الإيمان حسنة . وإنما قلنا : إن كل حسنة فمن اللّه . لقوله تعالى : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وهو نكرة في موضع الشرط ، فيفيد الاستغراق . وإذا ثبت أن الإيمان من اللّه ، وأردنا أن نبين أيضا : أن الكفر من اللّه تعالى . فلنا فيه وجوه : الأول : إنه لا قائل بالفرق . الثاني : العبد لو قدر على إيجاد الكفر . فالقدرة الصالحة لإيجاد الكفر . إما أن تكون صالحة لإيجاد الإيمان ، أو لا تكون . فإن كان الأول فحينئذ يعود ذلك إلى القول بأن إيمان العبد منه . وإن كان الثاني فحينئذ يكون القادر على الشيء غير قادر على ضده . وذلك عندهم باطل . وأيضا : على هذا التقدير تكون القدرة موجبة للمقدور . وذلك عندهم يمنع من كون القادر قادرا على الفعل . فثبت : أنه لما لم يكن الإيمان منه ، وجب أن لا يكون الكفر منه . الثالث : إن العبد لما لم يكن موجدا للإيمان . فبأن لا يكون موجدا للكفر أولى . وذلك لأنك لا ترى في الدنيا إنسانا يرضى بالكفر والجهل والضلال . بل إنما يريد الحق والإيمان . فلما نص تعالى على أن الإيمان الذي وقع على قصده ، ليس منه ، بل من اللّه . والكفر الذي وقع على خلاف قصده بأن لا يكون منه ، بل من اللّه : كان أولى . فإن قالوا : لم لا يجوز أن يكون المراد من كون الإيمان من اللّه ، هو أن اللّه أقدره عليه ، وهداه إليه ؟ قلنا : فعلى هذا التقدير . الذي من اللّه هو الإقدار والتمكين . فأما تعين الإيمان فليس من اللّه . وهو على خلاف الآية . وأيضا : فجميع الشرائط مشتركة بالنسبة إلى الإيمان والكفر . وهو القدرة ، والعقل ، والدلائل . ثم إن العبد باختيار نفسه ، أوجد أحد الضدين دون الآخر . فلا بد وأن يكون ذلك بإعانة اللّه ، وبترجيح داعيته على ما حققنا هذا الكلام في دليل الداعي . وهو المطلوب . واللّه أعلم . الحجة السادسة عشر : لو لم يكن الإيمان بخلق اللّه ، لما حسن من العبد أن يحمد اللّه على الإيمان . وقد حسن ذلك ، فوجب أن يكون الإيمان بخلق اللّه تعالى . باين الملازمة : بالنص والمعقول . أما النص : فهو أنه تعالى حكم بأن كل من أحب أن يحمد على ما لم يفعل ، كان
--> ( 1 ) سورة فصلت الآية 33 . ( 2 ) سورة النحل الآية 90 .